الديمقراطية الأوروبية حين تؤتي ثمارها… رئيس سويسرا يستقيل تحت وطأة فلسفته الحياتية

!ليست الديمقراطية في جوهرها صناديق اقتراع فحسب، ولا دساتير ومؤسسات وانتخابات دورية فقط؛ فهذه كلها أدوات لا تكتمل دلالتها ما لم تنتج، بمرور الزمن، ثقافة سياسية يصبح فيها الوصول إلى السلطة أمرًا طبيعيًا، ويصبح الخروج منها أكثر طبيعية! وربما كانت المفاجأة التي جاءت من سويسرا في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2026 واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يستطيع فيها حدث سياسي صغير، ظاهريًا، أن يقول عن معنى السلطة أكثر مما تقوله مجلدات كاملة في الفكر السياسي!
ففي ذلك اليوم أعلن غي بارمولان، رئيس الاتحاد السويسري لعام 2026 وعضو المجلس الاتحادي منذ ما يقرب من أحد عشر عامًا، أنه سيغادر المجلس في نهاية العام. ولم يكن أكثر ما يلفت النظر في قراره أنه قرر الرحيل؛ فالسياسيون يأتون ويذهبون، والحكومات تتغير، والمناصب لا تدوم لأحد. وإنما كان المدهش هو البساطة الفلسفية التي فسّر بها الرجل قراره، والتي فحواها أنه لم يعد يشعر بالشغف نفسه الذي كان يشعر به في البداية، وقد آن الأوان لأن يفسح المجال لقوى جديدة. ثم أطلق عبارته التي ربما تختصر فلسفة سياسية وحياتية كاملة: “المقابر مليئة بأولئك الذين كانوا يظنون أنهم لا غنى عنهم”. فيالها من عبارة! ويا لها من مفارقة حين تصدر عن رجل ما يزال في السلطة، لا عن فيلسوف اعتزل العالم، ولا عن سياسي أُخرج من منصبه بعد هزيمة انتخابية، ولا عن مسؤول أطاحت به فضيحة أو ثورة أو انقلاب! إنها عبارة رجل أدرك، وهو ما يزال جالسًا على كرسي السلطة، الحقيقة التي يعجز كثيرون عن إدراكها حتى بعد أن يُنتزع الكرسي من تحته والتي مفادها أن العالم لا يتوقف بخروج أحد منه، وأن المؤسسات التي لا تستطيع الاستمرار بعد رحيل أصحابها لم تكن مؤسسات أصلًا، وإنما كانت امتدادًا لأشخاصهم.
ولعل هنا تحديدًا تكمن إحدى الثمار العميقة للديمقراطية الأوروبية حين تنضج تجربتها التاريخية؛ فالديمقراطية لا تبلغ تمام نضجها حين تنجح في إيصال الإنسان إلى السلطة فحسب، وإنما حين تنجح في تعليمه أن يغادرها أيضًا. فالامتحان الحقيقي للسلطة ليس دائمًا: كيف تصل إليها؟ بل ربما كان السؤال الأصعب: كيف تعرف أن وقت الرحيل قد حان؟! والإنسان، بطبيعته، شديد الميل إلى الخلط بين وجوده الشخصي ووجود الدور الذي يؤديه. فما إن يمكث طويلًا في موقع من مواقع المسؤولية حتى يبدأ الموقع بالتسلل إلى تعريفه لذاته؛ حيث لم يعد هو الإنسان الذي يشغل المنصب، وإنما أصبح المنصب جزءًا من تعريفه لنفسه. ومن هنا تنشأ واحدة من أخطر أوهام السلطة، وذلك عندما يتوهم صاحبها أن استمرار المؤسسة مرهون باستمراره، وأن خروجه منها سيترك فراغًا يستحيل ملؤه!
وعند هذه النقطة يتحول المنصب من وظيفة مؤقتة إلى حاجة وجودية! ولذلك تبدو عبارة بارمولان عن المقابر أعمق من سياقها السياسي المباشر؛ فهي ليست حديثًا عن الوزراء والرؤساء وحدهم، وإنما عن وهم إنساني أوسع بكثير: وهم الاستغناء المستحيل عنا. فكم من قائد ظن أن دولته ستنهار بعده؟ وكم من مدير اعتقد أن المؤسسة لن تستطيع العمل من دونه؟ وكم من مفكر تخيل أن المجال الذي يعمل فيه سيفقد بوصلته إذا صمت؟ وكم من إنسان، في دائرة أصغر كثيرًا، اعتقد أن الأسرة أو الجماعة أو المشروع أو المكان لن يعرف كيف يتدبر أمره إذا غاب؟!
ثم غابوا جميعًا… واستمرت الحياة.
تلك هي الحقيقة التي تختصرها المقابر بصمتها الرهيب: لقد امتلأت بأناس كانوا، في لحظة من لحظات حياتهم، مراكز عوالم صغيرة وكبيرة؛ يصدرون القرارات، وتُفتح لهم الأبواب، وتنتظر المؤسسات توقيعاتهم، وتتحرك السيارات لمواكبهم، ويقف الناس حين يدخلون الغرف. ثم مضوا، وعادت الأبواب تفتح لغيرهم، وانتقلت التوقيعات إلى أيادٍ أخرى، واستمرت المؤسسات، وأشرقت الشمس في صباح اليوم التالي كما كانت تشرق من قبل!
وليس في هذه الحقيقة ما ينتقص من قيمة الإنسان؛ بل ربما كان الاعتراف بها هو الذي يعيد إليه قيمته الحقيقية! فالإنسان العظيم ليس من يجعل العالم عاجزًا عن الاستمرار من دونه، وإنما من يبني شيئًا يستطيع الاستمرار بعده.
وهنا تكتسب “التجربة السويسرية” دلالة خاصة. فرئيس الاتحاد السويسري ليس «رئيسًا» بالمعنى الذي ألفناه في الأنظمة الرئاسية؛ إذ أنه واحد من سبعة أعضاء في المجلس الاتحادي، ويتولى الرئاسة بينهم بالتناوب لمدة عام. ولا تمنحه الرئاسة سلطة تجعله حاكمًا منفردًا فوق زملائه. وكأن النظام نفسه صُمم ليذكّر شاغل المنصب، كل صباح تقريبًا، بحقيقة سياسية بالغة الدلالة مفادها: “أنت ضروري ما دمت تؤدي وظيفتك، لكنك لست ضروريًا إلى الأبد”.
وهذه واحدة من أعظم الخدمات التي يمكن للمؤسسات الديمقراطية الراسخة أن تقدمها للنفس البشرية، وذلك بأن تضع حدودًا مؤسسية لوهمها بالعظمة.
فالمشكلة ليست دائمًا في أن يأتي إلى السلطة إنسان مستبد منذ البداية؛ بل قد تبدأ المأساة بإنسان عادي يمكث طويلًا في موقع يمنحه الآخرون فيه كل يوم إشارات متكررة إلى قيمته، حتى يبدأ تدريجيًا بالتصديق أنه ليس مهمًا فحسب، وإنما لا يمكن الاستغناء عنه!
ومن هنا تبدأ المسافة الخطرة بين خدمة الدولة وامتلاكها. أما النظام الذي تتداول فيه المواقع، وتتوزع فيه الصلاحيات، ويعرف فيه الحاكم أن المنصب سبقه إليه آخر وسيأتي بعده آخر، فإنه لا يحمي المجتمع من احتكار السلطة فحسب، ولكنه يحمي صاحب السلطة من نفسه أيضاً!
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في قرار بارمولان أنه لم يقل إن مشروعه انتهى، ولا إن جميع الملفات التي كان يعمل عليها قد أُغلقت. فالسياسة لا تنتهي ملفاتها أصلًا! وكل مسؤول يستطيع، إن أراد البقاء، أن يجد دائمًا سببًا جديدًا يؤجل به الرحيل: أزمة ينبغي حلها، اتفاق ينبغي إتمامه، إصلاح ينبغي استكماله، خطر ينبغي مواجهته، أو مشروع لا يثق بأن الآخرين سيحسنون إنجازه. وهكذا يستطيع الإنسان أن يبقى إلى الأبد منتظرًا «اللحظة المناسبة» للرحيل! لكن اللحظة المناسبة قد لا تأتي أبداً!
وهنا تظهر القيمة البالغة الكامنة في موقف الرئيس السويسري، والتي مفادها أن بعض الأشياء ينبغي ألا ننتظر حتى تنتهي لكي نغادرها؛ بل ينبغي أن نعرف متى انتهى دورنا نحن فيها.
أما قوله إن الشغف لم يعد كما كان في البداية، فربما كان أكثر إثارة للتأمل من حديثه عن المقابر نفسها. ذلك أن ثقافتنا السياسية كثيرًا ما تتعامل مع الاعتراف بالتعب أو فتور الحماسة وكأنه ضعف ينبغي إخفاؤه! وعلى السياسي أن يبدو راغبًا في المزيد دائمًا، مستعدًا للمزيد دائمًا، متعطشًا إلى دورة رئاسية أخرى ومنصب آخر وانتصار آخر. أما أن يقول رجل في قمة الدولة ببساطة إن الشعلة التي كانت تدفعه في البداية لم تعد بالقوة نفسها، فذلك اعتراف نادر بأن الإنسان ينبغي أن يصغي إلى تحولات نفسه قبل أن تتحول الوظيفة العامة إلى عادة، والواجب إلى عبء، والمنصب إلى مجرد وسيلة للاستمرار في المنصب.
وهنا تتجاوز الحكاية حدود سويسرا، بل حدود السياسة نفسها. فكم من إنسان يستمر في عمل لم يعد يحبه لأنه لا يستطيع تخيل نفسه من دونه؟ وكم من شخص يتمسك بموقع اجتماعي لأن الاعتراف بانتهاء مرحلته يبدو له اعترافًا بانتهاء قيمته؟ وكم منا يعرف، في أعماقه، أن فصلًا من حياته قد انتهى، لكنه يواصل قراءته لأن قلبه لا يجرؤ على قلب الصفحة؟!
ربما كان النضج، في السياسة كما في الحياة، هو القدرة على التمييز بين نهاية الدور ونهاية الإنسان. فالمنصب ينتهي، لكن الإنسان لا ينتهي بانتهائه. والمرحلة تزول، لكن الحياة لا تزول بزوالها. والشغف قد يخبو في مكان لكي يجد لنفسه مكانًا آخر. وما نراه خسارة حين ننظر إليه من داخل اللحظة قد يكون، حين ننظر إليه بعد سنوات، مجرد انتقال من فصل إلى فصل.
وهكذا قد يكون غي بارمولان قد قدم، من حيث أراد أو لم يرد، درسًا يتجاوز حدود السياسة السويسرية بكثير؛ درسًا في السلطة، وفي الديمقراطية، وفي الشيخوخة السياسية، وفي معرفة الإنسان لحدوده، بل وفي معنى الزوال نفسه. فزوال الأحوال ليس حادثًا يقع للأشياء؛ إنه الطبيعة الحقيقية لكل حال وكل منصب مؤقت وكل مجد مؤقت وكل نفوذ مؤقت وكل كرسي، مهما بدا راسخًا تحت صاحبه، ينتظر صاحبه التالي. أما المأساة فليست في أن تزول الأشياء؛ فهي زائلة على أية حال. فالمأساة أن يقضي الإنسان عمره محاولًا إقناع نفسه بأنها لن تزول، وأن وجوده استثناء من القانون الذي يحكم الآخرين.
ولهذا ربما لم تكن أجمل جملة في قصة استقالة رئيس الاتحاد السويسري قوله إن شغفه بالمنصب قد تراجع، وإنما تلك الصورة القاسية والبسيطة التي استدعاها: المقابر التي امتلأت بمن ظنوا يومًا أنهم لا يُستبدلون. فلو وعى أصحاب السلطة هذه العبارة حق وعيها، لما احتاجت شعوب كثيرة إلى أن تنتزع منهم ما كان بوسعهم أن يتركوه بأنفسهم! ولو وعيناها نحن خارج السياسة أيضًا، لربما أصبحنا أقدر على مغادرة مراحل حياتنا حين تنتهي، وأقل خوفًا من أن يحل غيرنا في الأماكن التي شغلناها يومًا.
فالحكمة ليست أن تعرف كيف تتمسك بما بين يديك، وإنما أن تعرف أيضًا متى تفتح يدك وتتركه يذهب…. ولكن من يتعظ؟!

اترك تعليقًا