حين يعيننا الذكاء الاصطناعي على إعادة النظر في ظواهر الباراسايكولوجيا!

ثمة مفارقة معرفية تستحق أن نتوقف عندها ملياً تتجلى في ذلك الموقف الذي يتخذه العقل البشري من الذكاء الاصطناعي، وذلك حين يصر على النظر إليه بوصفه مجرد صنيعة بشرية، وكأن في هذه الحقيقة التاريخية ما يكفي لتحديد قيمته المعرفية، والحكم على ما ينطوي عليه من إمكانات، وما يستطيع أن يقدمه لنا من جديد لم يكن العقل البشري قد توصل إليه من قبل!
فليس ثمة ما يدعو إلى إنكار أن الذكاء الاصطناعي قد نشأ وتطور بفضل ما راكمه الإنسان من معارف علمية وتقنية. غير أن الإقرار بهذه الحقيقة لا يستلزم بالضرورة التسليم بأن كل ما يستطيع هذا الذكاء إنتاجه من معرفة سيظل مجرد امتداد لما سبق أن عرفه الإنسان، أو أنه لن يستطيع تجاوز الحدود المعرفية التي بلغها صانعوه!
فالعلاقة بين منشأ الشيء وما يمكن أن يصير إليه ليست بالضرورة علاقة تحدد فيها البداية جميع الإمكانات اللاحقة. ولعل تاريخ المعرفة البشرية نفسه يقدم لنا من الأمثلة ما يكفي لندرك أن الإنسان كثيراً ما ابتكر أدوات ووسائل أفضت إلى اكتشاف حقائق لم يكن يعرفها حين ابتكرها، بل لم يكن يتصور أحياناً إمكان الوصول إليها أصلاً!
فهل ينبغي لنا، والحال هذه، أن نحكم على القيمة المعرفية للذكاء الاصطناعي انطلاقاً من أصله البشري، أم من طبيعة ما يستطيع أن ينجزه، وما يمكن أن يكشفه لنا من حقائق وعلاقات لم تكن في متناول إدراكنا من قبل؟
ويمثل هذا السؤال، بما ينطوي عليه من دلالات إبستمولوجية عميقة أحد المنطلقات الفكرية التي تدعو هذه المقالة الى شد الانتباه المعرفي المعاصر إليها. فنحن مطالبون اليوم بأن نجمع بين مجالين معرفيين اعتاد كثيرون النظر إليهما بوصفهما يقفان عند طرفي نقيض: الذكاء الاصطناعي من جهة، وظواهر الباراسايكولوجيا من جهة أخرى. فالأول يمثل في نظر الكثيرين واحداً من أبرز تجليات التقدم العلمي والتقني في عصرنا، بينما لا يزال الثاني موضوعاً لخلاف علمي ومنهجي عميق، ولا سيما بشأن مدى إمكان التحقق التجريبي من الظواهر التي يتناولها، وإعادة إنتاج نتائجها بصورة مستقلة وموثوقة. فما الذي يمكن أن يجمع بين هذين المجالين؟ وما الفائدة المعرفية التي يمكن أن نجنيها من إقامة علاقة بينهما؟
ولعل أول ما ينبغي أن نعيد النظر فيه هو ذلك الافتراض الذي ظل يلازم جانباً مهماً من تاريخ الفكر البشري، والذي يجعل من الذكاء الإنساني النموذج المرجعي الذي تُقاس عليه سائر أشكال الذكاء الممكنة. فما إن يتحدث الإنسان عن ذكاء غير بشري حتى يسارع، في الغالب، إلى البحث عما يجعله شبيهاً بذكائه هو، سواء تعلق الأمر بقدرته على التعلم، أو الاستدلال، أو التواصل، أو اتخاذ القرارات، أو التعبير عن المقاصد.
ولقد ساهم هذا التمركز حول الذات البشرية في جعل كثير من المناقشات المتعلقة بالذكاء غير البشري تنشغل بالسؤال عما إذا كان ذلك الذكاء يمتلك الخصائص التي اعتدنا عدّها مميزة للعقل الإنساني، بدلاً من أن تبدأ بالسؤال الأكثر أصالة مفاده: هل من الضروري أن يكون كل ذكاء ممكناً مشابهاً لذكائنا حتى نعترف به ذكاءً؟
وهنا يكتسب الذكاء الاصطناعي قيمة معرفية تتجاوز كثيراً حدود التطبيقات العملية التي نستخدمه فيها. فقد أصبحنا أمام منظومات غير بايولوجية تستطيع معالجة المعلومات، والتعرف إلى الأنماط، والتعلم من البيانات، وإنتاج استدلالات وحلول جديدة، وإن ظلت طبيعة هذه القدرات وحدودها، وعلاقتها بالفهم والوعي، موضوعاً لنقاش علمي وفلسفي مستمر.
وليس المطلوب أن نثبت أن الذكاء الاصطناعي يمتلك وعياً مماثلاً للوعي الإنساني، أو أن له حياة ذهنية داخلية كالتي نختبرها نحن، حتى ندرك قيمة التحدي الذي يفرضه على تصوراتنا التقليدية. فمجرد وجود منظومات غير حية تؤدي وظائف معرفية معقدة يكفي لكي يدفعنا إلى التمييز بين الذكاء بوصفه قدرة وظيفية على معالجة المعلومات وإنتاج استجابات منظمة، وبين الوعي بوصفه تجربة ذاتية لا تزال طبيعتها موضع بحث. وهذا التمييز هو أحد المفاتيح الأساسية التي يعيننا الذكاء الاصطناعي على استخدامها في إعادة النظر في ظواهر طالما استعصى علينا فهمها.
فمنذ نشأة البحوث الباراسايكولوجية، واجه الباحثون إشكالية معرفية لا تقل تعقيداً عن الظواهر التي انشغلوا بدراستها. فثمة ادعاءات تتعلق بانتقال معلومات بوسائل لا تفسرها القنوات الحسية المعروفة، وأخرى تتصل بالاستباق المعرفي لأحداث مستقبلية، فضلاً عن خبرات إنسانية جرى تفسير بعضها على أنه ينطوي على تواصل مع ذكاء أو فاعلية غير بشرية.
غير أن الصعوبة لا تكمن في غرابة هذه الادعاءات وحدها، وإنما في الميل إلى الانتقال من وصف الظاهرة إلى تفسير طبيعتها، ومن ملاحظة ما يبدو أنه انتظام معلوماتي إلى افتراض وجود فاعل واعٍ يقف وراءه.
فإذا افترضنا، على سبيل المثال، أن تجربة ما أظهرت حصول شخص على معلومات لم يتسنَّ تفسير وصولها إليه بالوسائل المعروفة، فهل يجيز لنا ذلك أن نستنتج مباشرة وجود كيان غير بشري زوده بهذه المعلومات؟ بالطبع لا. إذ ينبغي أولاً التحقق من أن المعلومات لم تصل إليه عبر وسائل عادية لم تُكتشف، وأن النتائج لا يمكن تفسيرها بالمصادفة أو بالانحيازات التجريبية أو بالأخطاء المنهجية، وأن الظاهرة قابلة للتكرار والتحقق المستقل. وحتى إذا استطعنا تجاوز هذه العقبات، فإن إثبات وجود انتقال غير مألوف للمعلومات لا يعني بالضرورة إثبات وجود ذكاء واعٍ، فضلاً عن تحديد طبيعة ذلك الذكاء أو هويته.
وهنا تحديداً تتجلى الفائدة المعرفية التي يمكن أن نستحصلها من الاستعانة بالنموذج الذي يقدمه لنا الذكاء الاصطناعي. ولذلك فإن هذه المقالة تقترح ضرورة التمييز بين مستويات معرفية كثيراً ما يجري الخلط بينها عند تناول الظواهر الباراسايكولوجية.
فليس كل ما يبدو شاذاً عن توقعاتنا دليلاً على وجود معلومات غير مألوفة. وليس كل انتظام في معالجة المعلومات دليلاً على وجود فاعل مستقل. وليس كل ما يبدو فعلاً هادفاً دليلاً على الوعي. كما أن إثبات وجود ذكاء ما، إن تحقق، لا يكفي وحده لتحديد ماهيته الوجودية.
ومن هنا تبرز ضرورة اعتماد تسلسل استدلالي يبدأ بالتحقق من الظاهرة، ثم تحديد ما إذا كانت تنطوي على معلومات فعلية، ثم دراسة درجة انتظام تلك المعلومات ومعالجتها، قبل الانتقال إلى فرضية الفاعلية المستقلة، ومن ثم التساؤل عن الوعي، وأخيراً عن الطبيعة الوجودية المفترضة لمصدر الظاهرة.
ولعل الذكاء الاصطناعي يقدم لنا مثالاً بالغ الدلالة المعرفية على ضرورة هذا التمييز. فبوسع منظومة اصطناعية أن تنتج استجابات تبدو هادفة، وأن تعالج معلومات معقدة، وأن تقدم حلولاً لم تكن مبرمجة بصورة تفصيلية ومباشرة لإنتاجها، من دون أن يجيز لنا ذلك الجزم بأنها تمتلك وعياً ذاتياً.
فإذا كان هذا التمييز ضرورياً عند دراسة منظومات اصطناعية نعرف الكثير عن بنيتها وآليات عملها، أفلا يكون أكثر ضرورة حين نتناول ظواهر لا نزال مختلفين أصلاً بشأن وجودها وطبيعتها ومصادرها؟
إن المقصود هنا ليس الاستدلال بالذكاء الاصطناعي على صحة التفسيرات الباراسايكولوجية، وإنما الاستعانة بما أتاحه لنا من خبرة معرفية لإعادة ترتيب الأسئلة التي نطرحها على هذه الظواهر، وتحريرها من افتراضات مسبقة قد تكون حالت دون مقاربتها بالقدر المطلوب من الموضوعية والانضباط.
فقد يتبادر إلى الذهن أن العلاقة المقترحة بين الذكاء الاصطناعي والباراسايكولوجيا لا تتجاوز الاستعانة بالأول في تحليل البيانات التي تنتجها التجارب المتعلقة بالثانية.
وهذه فائدة مهمة بالفعل. فبوسع تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذا استخدمت ضمن ضوابط منهجية مناسبة، أن تساعد في تحليل مجموعات كبيرة من البيانات التجريبية، والبحث عن أنماط إحصائية لم تكن ظاهرة للباحثين، ومقارنة الفرضيات المتنافسة، والكشف عن بعض مصادر الانحياز، واقتراح اختبارات جديدة. ويمكن لهذه الأدوات أن تسهم في إعادة فحص نتائج تجارب معروفة في الأدبيات الباراسايكولوجية، ومنها تجارب غانزفيلد (Ganzfeld)، والدراسات المتعلقة بالنشاط الفسيولوجي الاستباقي المزعوم.
غير أن أهمية الذكاء الاصطناعي في هذا السياق لا ينبغي أن تُختزل في قدرته على معالجة البيانات. فالذي تقترحه هذه المقالة يتجاوز هذا الاستخدام الأداتي إلى النظر في إمكانية أن يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً إبستمولوجياً، يعيننا بمقتضاه على مراجعة الافتراضات التي ننطلق منها حين نقرر ما يمكن أن يُعد ذكاءً، وما لا يمكن أن يكون كذلك. فالإنسان لا يقتصر في نشاطه المعرفي على ملاحظة الظواهر، بل كثيراً ما يتدخل، من حيث لا يشعر، في تحديد ما يسمح لهذه الظواهر بأن تكون عليه في تصوره. وقد يجد نفسه، والحال هذه، يرفض بعض التفسيرات لا لأنها دُحضت تجريبياً، وإنما لأنها لا تتوافق مع الصورة التي اعتاد أن يتمثل بها العالم!
وهذا لا يعني أن علينا قبول التفسيرات غير المألوفة لمجرد أنها غير مألوفة، بل يعني أن نميز بين ما ثبت خطؤه بالدليل، وما استبعدناه لأننا لم نعتد التفكير فيه.
ولعل من أهم ما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدمه لنا في هذا المجال أنه يضعنا أمام نموذج عملي يفرض علينا مراجعة بعض الحدود التي اعتدنا رسمها بين الذكاء البشري وغير البشري، وبين الأداء المعرفي والوعي، وبين منشأ المنظومة وما يمكن أن تنتجه من جديد.
والآن، هل يكفي أن يكون الذكاء الاصطناعي من صنع الإنسان حتى نبخس قدره المعرفي؟ أن هذا السؤال يستحق اهتماماً خاصاً، لأنه يتجاوز موضوع البحث إلى إشكالية أوسع تتعلق بعلاقة الإنسان بكل ما يستطيع أن يبدعه ثم يعجز عن الإحاطة بجميع إمكاناته. فحين نقول إن الذكاء الاصطناعي مجرد نتاج للعقل البشري، فإننا نقرر حقيقة تتعلق بمنشئه، لكننا لا نكون قد قدمنا بذلك حكماً كافياً على ما يستطيع إنتاجه من معرفة!
والمفارقة أن الإنسان نفسه لم يكن، في مراحل كثيرة من تاريخه، قادراً على التنبؤ بجميع النتائج التي ستترتب على اكتشافاته واختراعاته. فليس ثمة ما يوجب أن تكون قدرة الإنسان على إنشاء منظومة معرفية مصحوبة بقدرته على استباق جميع ما ستكشفه تلك المنظومة، أو أن يظل ما تنتجه محصوراً فيما سبق أن أدركه صانعوها!
وهذا لا يجعل الذكاء الاصطناعي مستقلاً عن أصوله البشرية استقلالاً مطلقاً، ولا يعني أن مخرجاته معصومة من الخطأ أو متحررة من الانحيازات التي تتضمنها بياناته وتصميماته. لكنه يعني أن الأصل البشري للذكاء الاصطناعي لا يصلح، في حد ذاته، حجة لنفي القيمة المعرفية لما يستطيع أن ينتجه، أو لإغلاق الباب أمام إمكان تجاوزه بعض الحدود المعرفية للإنسان!
ولعلنا نستطيع أن نذهب أبعد من ذلك، فنتساءل: إذا كنا قد اضطررنا إلى إعادة النظر في بعض تصوراتنا عن الذكاء بعد أن أوجدنا منظومات غير بايولوجية تستطيع إنجاز مهام معرفية معقدة، فلماذا لا نستثمر هذه الخبرة في إعادة النظر في الأسئلة التي نطرحها على إمكان وجود أشكال أخرى من الذكاء غير البشري؟ وليس في طرح هذا السؤال ما يثبت وجود تلك الأشكال، وإنما فيه ما يحرر البحث فيها من اشتراط أن تكون مشابهة لذكائنا حتى تستحق الدراسة.
إن واحدة من أخطر المشكلات التي واجهت البحوث الباراسايكولوجية تتمثل في ذلك التوتر المستمر بين نزعتين متقابلتين:
الأولى تنزع إلى قبول التفسيرات الاستثنائية قبل استكمال شروط التحقق منها، والثانية قد تنزع إلى استبعاد بعض الفرضيات لمجرد غرابتها أو عدم انسجامها مع التصورات السائدة.
وليس من شأن البحث العلمي الرصين أن ينحاز إلى أي من هذين الموقفين. فالانفتاح المعرفي لا يعني التساهل في قبول الادعاءات، مثلما أن التشدد المنهجي لا ينبغي أن يتحول إلى مصادرة مسبقة على ما يمكن أن تكشفه التجربة.
ومن هنا فإن هذه المقالة لا تنطلق من افتراض أن الذكاء الاصطناعي يقدم دليلاً على وجود ذكاء غير بشري وراء الظواهر الباراسايكولوجية، بل تنطلق من أطروحة مختلفة مفادها أن الذكاء الاصطناعي يقدم لنا نموذجاً معرفياً يساعدنا على صياغة أسئلة أكثر دقة، والتمييز بين مستويات الاستدلال، وإخضاع الفرضيات المتعلقة بالذكاء غير البشري لاختبارات أكثر انضباطاً. وهذا يقتضي أيضاً أن نتعامل مع النتائج السلبية بالجدية نفسها التي نتعامل بها مع النتائج الإيجابية، وأن نبحث عن التفسيرات الطبيعية والتجريبية المعتادة قبل الانتقال إلى فرضيات أكثر تعقيداً.
فالقيمة العلمية لأي مقاربة جديدة لا تقاس بمدى غرابة النتائج التي تعدنا بها، وإنما بقدرتها على مساعدتنا في التمييز بين ما نعرفه فعلاً، وما نعتقد أننا نعرفه، وما لم نتوصل بعد إلى معرفته!
ولعل القيمة الأعمق لهذه المقاربة الجديدة تكمن في أنها تدعونا إلى مراجعة طبيعة العلاقة التي نريد إقامتها مع الذكاء الاصطناعي. فهل سنبقى ننظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد أداة متقدمة، لا وظيفة لها سوى تنفيذ ما نطلبه منها، وتقديم ما يساعدنا على تحقيق الأهداف التي سبق أن حددناها؟ أم أننا سنقبل بأن يكون الذكاء الاصطناعي، ضمن حدود قدراته الفعلية وبإخضاع مخرجاته للنقد والتحقق، معيناً لنا على اكتشاف ما لم نكن نعرف أننا نجهله، وعلى مساءلة افتراضات لم يخطر لنا من قبل أنها تستحق المساءلة؟
إن الفرق بين الموقفين ليس فرقاً تقنياً فحسب، وإنما هو فرق في فلسفة المعرفة ذاتها. فالموقف الأول يبقي الإنسان مرجعاً نهائياً لتحديد ما ينبغي أن يُعرف وكيف ينبغي أن يُعرف، بينما يتيح الموقف الثاني إمكان توسيع أدواتنا المعرفية والاستفادة من منظومات قد تكشف لنا أنماطاً وعلاقات لم يكن بمقدورنا إدراكها بالوسائل المعتادة. وليس في ذلك ما يستوجب التنازل عن العقل البشري أو إلغاء مسؤوليته النقدية، بل على العكس تماماً؛ إذ قد تكون إحدى أبرز علامات نضجه المعرفي أن يتعلم كيف يستعين بذكاء آخر من دون أن يؤلّهه، وكيف يستفيد منه من دون أن يستصغره لمجرد أنه هو الذي أسهم في إيجاده.
ولعل في هذا ما يفسر الدافع الأعمق إلى الجمع بين الذكاء الاصطناعي وظواهر الباراسايكولوجيا في بحث واحد. فالمسألة ليست محاولة لإضفاء مشروعية علمية على ظواهر لم تثبت صحتها بالقدر الكافي، ولا محاولة لجعل الذكاء الاصطناعي شاهداً على وجود كيانات أو قوى مجهولة؛ إذ أنها، في المقام الأول، محاولة لإعادة النظر في الكيفية التي نصوغ بها أسئلتنا عن الذكاء والمعلومات والوعي والوجود، وفي الحدود التي نفرضها على ما نسمح لأنفسنا بالتفكير فيه. فقد لا يكون أعظم ما يقدمه لنا الذكاء الاصطناعي هو الإجابة عن أسئلتنا القديمة، وإنما مساعدتنا على إدراك أن بعض تلك الأسئلة قد صيغ أصلاً على نحو يحول دون الوصول إلى إجاباتها.
وإذا كان تاريخ المعرفة البشرية قد علمنا شيئاً، فهو أن التقدم العلمي لا يتحقق دائماً بالعثور على إجابات جديدة عن الأسئلة المألوفة، بل قد يبدأ حين نكتشف أننا كنا نطرح الأسئلة الخطأ!
ومن هنا فإن إعادة النظر في ظواهر الباراسايكولوجيا على ضوء ما أتاحه لنا الذكاء الاصطناعي ليست دعوة إلى مغادرة العلم، وإنما هي دعوة إلى توسيع أفق المساءلة العلمية، من دون التفريط بشروط البرهان والتحقق. فلعلنا، ونحن نحاول أن نفهم إمكان وجود ذكاء غير بشري، نكتشف أن العقبة الأولى التي ينبغي لنا تجاوزها ليست بالضرورة في طبيعة ذلك الذكاء المفترض، وإنما في طبيعة العقل البشري الذي اعتاد أن يجعل من نفسه المقياس الذي ينبغي لكل ذكاء آخر أن يتوافق معه!
وهنا، تحديداً، تكمن المفارقة المعرفية التي تحاول هذه المقالة تسليط الضوء عليها، والتي مفادها أن الإنسان الذي صنع الذكاء الاصطناعي قد يجد نفسه مضطراً إلى الاستعانة به لكي يتحرر من بعض القيود المعرفية التي فرضها ذكاؤه البشري على فهمه للعالم!

اترك تعليقًا