كيف يكشف أمر الله لعباده بالصبر عن جانب خفي من ماضينا التطوري؟ … مقاربة ميتابايولوجية في الحكمة الإصلاحية للأوامر الإلهية

ليس من اليسير على الإنسان أن يدرك أن بعضاً من أكثر خصائصه السلوكية رسوخاً قد لا يكون تعبيراً عن طبيعته الأصيلة بقدر ما قد يكون أثراً من آثار تاريخ تطوري لم يكتمل بعد فهمه! ولعل من أكثر هذه الخصائص إثارة للتأمل تلك النزعة التي تجعل الإنسان عجولاً، جزوعاً، ضيق الصدر بما يستدعي الانتظار، قليل الاحتمال لما يتطلب التروي، وكأن بينه وبين الزمن خصومة لا تنتهي، تدفعه إلى استعجال ما لم يحن أوانه، والتعجل في ما لا تستقيم عواقبه إلا بالتأني والتمهل.
ولقد اعتدنا أن ننظر إلى هذه النزعات بوصفها عيوباً أخلاقية أو مظاهر لضعف الإرادة أو قصور التربية، من دون أن نتساءل بما يكفي عما إذا كانت هذه الصفات تنطوي على دلالات أعمق، تتصل بتاريخ نشوء الإنسان وارتقائه، وما قد يكون قد اعترى مسيرته التطورية من انعطافات لم تكن عواقبها جميعاً في صالحه.
وهنا تبرز القيمة المعرفية للمقاربة التي تقدمها الميتابايولوجيا، بما تطرحه من فرضية مفادها أن المسيرة التطورية للإنسان قد شهدت انعطافة تطورية أولى ترتبت عليها آثار عميقة في بنيته النفسية والسلوكية، حتى غدت بعض النزعات التي نعدها اليوم جزءاً من الطبيعة البشرية تعبيراً عن اختلال تطوري متجذر، لا مجرد استجابات عارضة لظروف الحياة.
ولعل من أكثر ما يستوقفنا، ونحن نحاول استقصاء هذه الآثار، ذلك الحضور اللافت لمفهوم الصبر في القرآن الكريم، وما يقترن به من أوامر إلهية متكررة بالصبر والاصطبار والمصابرة، حتى ليبدو لنا أن هذه الأوامر لا تستهدف مجرد تهذيب سلوك عرضي، بل تتجه إلى معالجة نزعة متأصلة في الإنسان، لا يكفي لإصلاحها أن يدرك قبحها أو أن يعرف ما يترتب عليها من عواقب.
فهل يمكن أن يكون في أمر الله لعباده بالصبر ما يعيننا على استجلاء جانب خفي من ماضينا التطوري؟ وهل يمكن أن تكون الأوامر الإلهية التي اعتدنا النظر إليها من منظورها التعبدي والأخلاقي وحده حاملةً أيضاً لدلالات معرفية تكشف عن طبيعة الاختلال الذي أصاب البنية السلوكية للإنسان، وعن السبيل الذي ينبغي له أن يسلكه للتحرر من سلطانه؟
ولعل من أكثر الآيات القرآنية إثارة للتفكر في هذا السياق قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (الأنبياء: 37). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء: 11). ثم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ۝ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ۝ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المعارج: 19–21). فما يستوقفنا في هذه الآيات ليس مجرد وصف الإنسان بالعجلة والهلع والجزع، بل ذلك الأسلوب الذي يعرض به القرآن هذه الخصائص بوصفها نزعات عميقة الحضور في التكوين الإنساني. فالإنسان لا يعجل لأنه يجهل دائماً فضيلة التأني، ولا يجزع لأنه لا يعرف أن الصبر محمود، بل قد يكون على أتم العلم بذلك كله، ومع هذا يجد نفسه مدفوعاً إلى العجلة والجزع دفعاً، وكأن معرفته بما ينبغي أن يكون عليه سلوكه لا تكفي وحدها لكي تجعله قادراً على سلوكه. وهنا تتجلى واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية دلالة والتي مفادها أن الإنسان قد يعرف ما ينبغي عليه فعله، ثم يجد نفسه عاجزاً عن مقاومة ما يدفعه إلى فعل نقيضه!
وليس هذا التناقض بين المعرفة والسلوك أمراً يسيراً يمكن تجاوزه بالوعظ وحده؛ إذ إن استمراره، على الرغم من إدراك الإنسان المتكرر لعواقبه، يثير تساؤلاً مشروعاً بشأن الجذور العميقة لهذه النزعات.
فإذا كان الإنسان يدرك أن التعجل قد يفسد ما كان التروي كفيلاً بإصلاحه، فلماذا يظل يتعجل؟ وإذا كان يعرف أن الجزع لا يرفع البلاء، وأن ضيق الصدر لا يعجل بالفرج، فلماذا يظل الجزع واحداً من أكثر استجاباته حضوراً حين تعترضه الشدائد؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تتطلب منا أن نتجاوز التفسير الأخلاقي المباشر إلى البحث في تاريخ تشكل البنية السلوكية للإنسان.
تنطلق الميتابايولوجيا من فرضية مفادها أن المسيرة التطورية التي انتهت بظهور الإنسان المعاصر لم تكن مجرد مسيرة تراكمية متصلة، تنتظم فيها التحولات ضمن سياق واحد من التكيف والارتقاء، بل شهدت انعطافة تطورية أولى ترتبت عليها تحولات عميقة في البنية النفسية والسلوكية للإنسان.
وبحسب هذه الفرضية، فإن ما أعقب تلك الانعطافة لم يكن مجرد ظهور قدرات معرفية جديدة، بل نشوء اختلالات رافقت هذه القدرات، وتغلغلت في أنماط الاستجابة والانفعال والتصرف، حتى أصبح الإنسان يحمل في داخله نزعات لا تتوافق دائماً مع مقتضيات بقائه أو مصالحه أو ما تتيحه له قدراته العقلية من إمكانات.
ومن هنا لا تعود العجلة، في هذا التصور، مجرد رغبة في إنجاز الأمور بسرعة، بل تصبح مظهراً من مظاهر اختلال العلاقة بين الدافع والاستجابة، وبين الرغبة والزمن، وبين ما يستطيع الإنسان أن يتصوره من نتائج وما يستطيع أن يحتمله من انتظار تحققها. فالإنسان، بما يمتلكه من قدرة فائقة على التمثل، يستطيع أن يستحضر النتيجة قبل تحققها، وأن يتخيل المكافأة قبل نيلها، وأن يعيش في وعيه ما لم يحدث بعد. غير أن هذه القدرة، على ما تنطوي عليه من إمكانات معرفية هائلة، قد تتحول إلى مصدر اضطراب حين تصبح الصورة المتخيلة للنتيجة أكثر سلطاناً على الإنسان من إدراكه للشروط الواقعية اللازمة لتحققها!
وهكذا يجد نفسه راغباً في الوصول قبل أن يقطع الطريق، وفي جني الثمار قبل أن تنضج، وفي التخلص من المعاناة قبل أن يستنفد ما تقتضيه مواجهتها من وقت وجهد!
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى العجلة والجزع بوصفهما وجهين لاختلال واحد: عجز الإنسان عن إقامة علاقة متوازنة بين ما يرغب في حدوثه وما يقتضيه الواقع من زمن لكي يحدث.
غير أن هذا التفسير يظل فرضية ميتابايولوجية، لا حقيقة تطورية مثبتة؛ إذ لا يكفي شيوع العجلة والجزع بين البشر لإثبات أنهما نشآ عن انعطافة تطورية محددة. وتكمن قيمة الفرضية في ما تفتحه من أسئلة يمكن مقارنتها بما تكشفه علوم السلوك والإدراك عن الاندفاع، وتأجيل الإشباع، وتنظيم الانفعال.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يمثل محور هذه المقالة، فإذا كان القرآن قد وصف الإنسان بالعجلة والهلع والجزع، فما دلالة أن يتكرر فيه الأمر الإلهي بالصبر؟ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200). ويقول: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (النحل: 127) كما ويقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: 132). فتكرار هذه الأوامر، وتنوع صيغها بين الصبر والمصابرة والاصطبار، يستحق أن نتوقف عنده من زاوية تتجاوز النظر إلى الصبر بوصفه فضيلة أخلاقية فحسب.
فالصبر، في جوهره السلوكي، يقتضي من الإنسان أن يمتنع عن الاستجابة الفورية لدافع يريد أن يفرض عليه سلوكاً بعينه. وحين يكون هذا الدافع هو العجلة، يصبح الصبر فعلاً مضاداً للتعجل. وحين يكون هذا الدافع هو الجزع، يصبح الصبر فعلاً مضاداً للاستسلام للجزع. وحين يكون هذا الدافع هو الرغبة في نيل النتائج قبل استيفاء أسبابها، يصبح الصبر تدريباً على احترام الزمن الذي تتطلبه الأسباب لكي تفضي إلى نتائجها.
وهكذا يمكننا أن نتبين ما قد يكون وراء الأمر الإلهي بالصبر من حكمة إصلاحية عميقة، قوامها ألا يُترك الإنسان أسيراً لتلك النزعات التي تستبد بسلوكه، بل أن يُطالب بالمواظبة على ممارسة ما يقاوم سلطانها.
وإذا ما قرأنا هذه الأوامر الإلهية في ضوء الفرضية الميتابايولوجية، أمكننا أن نتساءل عما إذا كانت بعض الأوامر التعبدية تمثل، إلى جانب مقاصدها الإيمانية والأخلاقية، وسائل لإعادة تنظيم العلاقة بين الإرادة والدافع، وبين الإدراك والاستجابة، وبين الإنسان وما استقر في بنيته السلوكية من اختلالات.
وهو تساؤل لا يعني أن النص القرآني يقرر نظرية بعينها عن التاريخ التطوري للإنسان، بل يعني أن ما يقدمه من معرفة بالنفس الإنسانية قد يفتح أمام البحث العلمي والفلسفي آفاقاً جديدة للتفسير.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في هذه المقاربة أن الصبر لا يقدم نفسه بوصفه معرفة نظرية تضاف إلى ما يعرفه الإنسان من فضائل، بل بوصفه فعلاً ينبغي المواظبة عليه. فالإنسان لا يصبح صبوراً بمجرد اقتناعه بأن الصبر فضيلة، كما أنه لا يتحرر من العجلة بمجرد اعترافه بأنها عيب. فما يتطلبه الأمر هو ممارسة فعلية متكررة، يجد الإنسان نفسه خلالها مضطراً إلى مقاومة ما اعتاد أن يستجيب له، وإلى تأخير ما يرغب في تعجيله، وإلى احتمال ما اعتاد أن يجزع منه.
وهنا يكتسب مفهوم فعل الضد أهمية مركزية في المقاربة الميتابايولوجية. فإذا افترضنا أن الانعطافة التطورية الأولى قد أفضت إلى ترسيخ نزعات سلوكية مختلة، فإن مقاومة آثارها لا تكون بالضرورة عن طريق معرفة منشئها التاريخي وحده، بل قد تقتضي تدريب الإنسان على أن يفعل نقيض ما تدفعه إليه تلك النزعات. فالصبر ضديد الجزع. والتأني ضديد العجلة. والتروي ضديد التهور. وضبط النفس ضديد الاستسلام للدافع. غير أن فعل الضد لا يعني أن كل نزعة تلقائية ينبغي قمعها، أو أن كل استجابة سريعة تمثل اختلالاً؛ فقد يكون الإسراع ضرورياً لإنقاذ حياة، وقد يكون الخوف استجابة سليمة لخطر حقيقي. وإنما المقصود مقاومة النزعة حين تتجاوز مقتضيات الموقف، وتصبح هي المتحكمة في السلوك على حساب التقدير الواعي للعواقب.
ومن هنا يمكننا أن نفهم لماذا لا يكتفي القرآن بالدعوة إلى الصبر، بل يأمر بالاصطبار والمصابرة. فالاصطبار يوحي ببذل الجهد في ملازمة الصبر، والمصابرة تضيف معنى المثابرة والمغالبة والثبات في مواجهة ما يستدعي الاحتمال. وكأن الأمر لا يتعلق باستجابة مؤقتة لمحنة عارضة، بل ببناء ملكة سلوكية لا تتكون إلا بالممارسة المتكررة.
وهذه القراءة تجعلنا أمام احتمال بالغ الدلالة المعرفية مفاده أن يكون لبعض التكاليف التعبدية دور في إعادة تربية الاستجابة الإنسانية نفسها، لا في توجيه السلوك الظاهر وحده.
وقد يبدو الحديث عن آثار انعطافة تطورية أولى قدراً من الحتمية التي لا سبيل إلى الخلاص منها. فإذا كان الإنسان قد ورث، أو اكتسب عبر تاريخه التطوري، بنية سلوكية تجعله ميالاً إلى العجلة والجزع، فكيف يمكن أن يتحرر مما استقر في تكوينه؟ إن الإجابة التي تقترحها هذه المقالة تقوم على التمييز بين أن تكون النزعة متجذرة في البنية الإنسانية، وأن تكون عصية على التعديل. فليس كل ما له جذور تطورية محكوماً بالبقاء على صورته الأولى، وليس كل ما استقر في السلوك ممتنعاً عن إعادة التنظيم. بل إن امتلاك الإنسان القدرة على مراقبة دوافعه، ومراجعة استجاباته، والتدرب على أنماط سلوكية جديدة، يفتح أمامه إمكاناً للتحرر النسبي من سلطان تلك الدوافع.
وهنا تتجلى دلالة الأمر الإلهي بالصبر في صورة أكثر عمقاً. فالله، حين يأمر الإنسان بالصبر، فإنه لا يخاطب كائناً منزوع القدرة على مقاومة نزعاته، بل يخاطب كائناً يستطيع، وإن بمشقة، أن يتعلم كيف لا يكون أسيراً لها.
ومن اللافت أن القرآن، بعد وصف الإنسان بالهلع والجزع والمنع، يقول: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج: 22–23). ثم يمضي في ذكر صفات أخرى تتصل بالالتزام الأخلاقي والتعبدي. إن هذا الاستثناء ينطوي على دلالة معرفية بالغة؛ لأنه يفتح باباً للتفكر في العلاقة بين ما يصفه القرآن من نزعات إنسانية وما يقدمه من ممارسات وفضائل يمكن أن تحول دون استحكام سلطان تلك النزعات. فالصلاة، بما تقتضيه من مواظبة وانتظام، والصبر بما يستلزمه من احتمال وضبط للنفس، وسائر التكاليف التي تدرب الإنسان على مخالفة اندفاعاته، يمكن أن تُقرأ بوصفها عناصر في منظومة تربوية متكاملة.
وهكذا لا يعود ما نسميه هنا «القدر التطوري» حكماً نهائياً على الإنسان، بل يصبح اسماً للميراث السلوكي الذي يجد الإنسان نفسه مطالباً بمواجهته. فالقدر التطوري هو قدر بمعنى ما يسبق اختياره الفردي من استعدادات وقيود، لا بمعنى أنه مصير لا يمكن تغييره. وهذا تمييز جوهري؛ لأن الفرضية الميتابايولوجية، إن أرادت أن تقدم تفسيراً ذا قيمة، ينبغي ألا تجعل التاريخ التطوري ذريعة لإلغاء المسؤولية الإنسانية، بل أن تبحث في الكيفية التي تتفاعل بها الاستعدادات الموروثة مع التعلم والإرادة والتربية.
وهنا نصل إلى ما أراه من أكثر النتائج الفلسفية إثارة في هذه المقاربة. فلقد اعتدنا أن نقرأ الأوامر الإلهية بوصفها بياناً لما ينبغي على الإنسان أن يفعله، ولكن ماذا لو قرأنا بعضها أيضاً بوصفها مدخلاً إلى معرفة ما يحتاج الإنسان إلى إصلاحه في نفسه؟ فحين يؤمر الإنسان بالصبر، يمكن أن نسأل عن النزعة التي يستهدف الصبر مقاومتها. وحين يؤمر بالعدل، يمكن أن نتساءل عن دوافع الهوى والانحياز التي تجعل العدل عسيراً عليه. وحين يؤمر بكظم الغيظ، يمكن أن نبحث في سلطان العدوان والانفعال على سلوكه. وحين يؤمر بالتواضع، يمكن أن نتفكر في تلك النزعة التي تدفعه إلى تعظيم ذاته وفرض وصايته على الآخرين.
إن هذا لا يعني أن لكل أمر إلهي علة تطورية واحدة، أو أن بوسعنا استنباط تاريخ الإنسان البيولوجي مباشرة من قائمة الأوامر والنواهي القرآنية. ولكنه يعني أن ثمة إمكاناً لتأسيس مقاربة معرفية تنظر إلى الأوامر التعبدية بوصفها، في جانب من جوانبها، مؤشرات تستحق الدراسة بشأن ما يحتاج إلى التقويم في البنية النفسية والسلوكية للإنسان. وبذلك لا تكون العلاقة بين القرآن والمعرفة العلمية محصورة في محاولة العثور على آيات تتطابق مع اكتشافات العلوم الطبيعية، وإنما تتسع لتشمل استلهام أسئلة جديدة عن الإنسان من خلال التأمل في ما يخبرنا القرآن به عن طبائعه، وما يطالبه بممارسته من أفعال.
وهنا يتجلى وجه من وجوه الحضور المعرفي للقرآن، لا بوصفه بديلاً عن البحث العلمي، بل بوصفه مصدراً للتفكر وصياغة الفرضيات التي يمكن للبحث العلمي أن يناقشها ويختبر ما أمكن منها.
ولعل من أكثر ما أضر بفهم الصبر أن يجري اختزاله في الاستسلام للظروف أو الانتظار السلبي لما ستأتي به الأيام! فالصبر الذي نتحدث عنه هنا ليس عجزاً عن الفعل، ولا امتناعاً عن تغيير الواقع، ولا رضوخاً للظلم أو قبولاً باستمرار الأذى، بل هو قدرة على ألا يختطف الدافع العاجل قرار الإنسان، وألا يصبح ضيق الصدر حاكماً على تقديره للأمور. فقد يكون الصبر أن تبادر حين تكون المبادرة واجبة، ولكن من دون تهور. وقد يكون أن تتريث حين يكون التريث أصلح، من دون أن يتحول تريثك إلى تردد وعجز. وقد يكون أن تواصل العمل على الرغم من تأخر النتائج، من دون أن تسمح للرغبة في بلوغها بأن تدفعك إلى إفساد أسباب تحققها!
ومن هنا فإن الصبر، في هذه القراءة، لا يناقض الفعل، بل يحمي الفعل من أن يصبح أسيراً للاندفاع. فالصبر هو ليس مجرد احتمال للزمن، بل إعادة تنظيم لعلاقة الإنسان بالزمن. فالإنسان العجول يريد أن يُخضِع الزمن لرغبته، أما الإنسان الصبور فيتعلم أن يجعل رغبته منسجمة مع ما تقتضيه الأشياء من أسباب ومراحل وشروط.
وهذا هو المعنى الذي يجعل الصبر أكثر من فضيلة أخلاقية؛ إذ يغدو ممارسة معرفية أيضاً، لأنه يطالب الإنسان بأن يعترف بأن الواقع لا يتشكل وفق ما يشتهيه، وأن معرفته بما يريد لا تعني امتلاكه المعرفة الكافية بكيفية تحققه أو بالوقت الذي يتطلبه!
إذا كانت الميتابايولوجيا قد جعلت من الانعطافة التطورية الأولى فرضية لتفسير جانب من استثنائية الظاهرة البشرية، فإن التأمل في الأوامر الإلهية، وفي مقدمتها الأمر بالصبر، يتيح لنا توسيع مجال الأسئلة التي ينبغي لهذه الفرضية أن تواجهها.
فلماذا تتكرر لدى الإنسان أنماط سلوكية يعلم أنها قد تضر بمصالحه؟ ولماذا لا تكفي المعرفة بالعواقب دائماً لضبط الاستجابة؟ وما العلاقة بين فائض القدرة على التمثل وبين ضعف احتمال تأخر النتائج؟ وهل يمكن أن يكون لبعض ما نعده عيوباً أخلاقية جذور في تاريخ تشكل منظومة الدوافع الإنسانية؟ ثم هل نستطيع، من خلال دراسة أثر الممارسات التي تدرب الإنسان على ضبط نفسه وتأجيل استجاباته، أن نكتسب معرفة أدق بطبيعة هذه الدوافع وحدود قابليتها للتغيير؟
إن هذه الأسئلة لا تثبت وقوع الانعطافة التطورية الأولى، ولكنها تمنح الفرضية مجالاً أكثر تحديداً للبحث، وتطالبها بتقديم تفسيرات قابلة للمقارنة مع التفسيرات النفسية والتطورية المعروفة. فإذا ثبت أن بعض النزعات الإنسانية قابلة للتعديل بالممارسة المستمرة، فإن ذلك يدعم إمكان الإصلاح السلوكي، ولكنه لا يثبت وحده أن منشأ هذه النزعات كان وباءً تطورياً أو انعطافة بعينها.
وإذا أردنا للميتابايولوجيا أن ترتقي من إطار فلسفي تفسيري إلى برنامج بحثي، فلا بد أن نميز بين شواهد الاختلال السلوكي، والآليات التي تحافظ عليه، والفرضيات المتعلقة بمنشئه التطوري. وبهذا التمييز وحده نستطيع أن نحفظ للفكرة جرأتها المعرفية من دون أن نحمل الأدلة ما لا تحتمل.
ولعل أعظم ما يمكن أن يثيره فينا الأمر الإلهي بالصبر هو أن يجعلنا نعيد النظر في ذلك الإنسان الذي نظن أننا نعرفه جيداً. فالإنسان الذي يأمره الله بالصبر هو نفسه الإنسان الذي يخبرنا القرآن بأنه عجول، وأنه إذا مسه الشر كان جزوعا. وبين هذا الوصف وذلك الأمر تنفتح مساحة واسعة للتفكر في طبيعة الإنسان، وفي التناقض القائم بين ما تدفعه إليه نزعاته وما يستطيع أن يرتقي إليه من سلوك.
إن المقاربة الميتابايولوجية المقترحة في هذه المقالة تدعونا إلى أن نتساءل عما إذا كان هذا التناقض يحمل في أعماقه أثراً من آثار تاريخ تطوري لم نكتشف بعد جميع منعطفاته.
فإذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد خلّفت في الإنسان نزعات تدفعه إلى العجلة والجزع، فإن الصبر، من هذا المنظور، لا يكون مجرد فضيلة تعين الإنسان على احتمال ما يكره، بل يصبح ممارسة مضادة لما يُفترض أن تلك الانعطافة قد رسخته في سلوكه.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة. فما قد يكون قد استقر في الإنسان عبر تاريخه التطوري لا يتحرر من سلطانه بالضرورة عن طريق العودة إلى ما كان عليه، بل عن طريق الارتقاء إلى ما يستطيع أن يكون عليه. فليس المطلوب أن يعود الإنسان إلى ماضٍ تطوري مفترض، وإنما أن يتجاوز ما يحمله حاضره من نزعات تحول بينه وبين إمكاناته الأرقى.
ولعل في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: 45) ما يدعونا إلى تأمل أعمق في معنى الاستعانة؛ إذ لا يقتصر الأمر على أن يعرف الإنسان ما ينبغي عليه فعله، بل أن يستعين بما يعينه على فعله، وأن يواظب على ممارسة ما يستطيع به مقاومة ضعفه.
وهكذا يمكن أن يصبح الأمر الإلهي بالصبر نافذة معرفية نطل منها على سؤال لم نمنحه بعد ما يستحقه من اهتمام: هل يمكن أن تكشف لنا الأوامر التي تدعونا إلى إصلاح أنفسنا عن شيء من التاريخ الذي جعل أنفسنا محتاجة إلى هذا الإصلاح؟ إنه سؤال لا نزعم أننا امتلكنا جوابه النهائي، ولكنه جدير بأن يكون بداية لبحث جديد، يجمع بين التأمل القرآني، وفلسفة المعرفة، ودراسة السلوك الإنساني، والفرضية الميتابايولوجية المتعلقة بماضينا التطوري.
ولعلنا عندئذ ندرك أن بعض ما نقرأه في القرآن بوصفه أمراً بما ينبغي أن نكون عليه، قد يفتح لنا أيضاً طريقاً للتفكر في العلة التي جعلتنا على ما نحن عليه!

اترك تعليقًا