كيف ينبغي أن نفهمَ التنوع الحيوي بعيداً عن تمثلاتنا المعهودة؟

يبدو أننا نصرُّ على أن نغلِّب تمثلاتِنا لظاهرة ما على ما تقدمه لنا هذه الظاهرة من مفرداتٍ لو أننا قصرنا تعاملنا المعرفي معها لاستطعنا أن نخرجَ بأحسن مما جعلتنا هذه التمثلات نخرج به! وهذا أمرٌ ملاحظٌ في كلِّ ما يشتمل عليه تاريخ المعرفة الإنسانية بشتى مباحثِها. ولنأخذ في هذه المقالة ظاهرة “التنوع الحيوي” مثالاً نموذجياً لهذا التناقض بين ما يحيلُنا إليه التقيد بمفرداتِ الظاهرة وما يستدرجنا إليه انبهارنا بتمثلاتنا لها!
فنحن، وتحت وطأة هذا الانبهار، نقارب “التنوع الحيوي” مقاربةً تشي بما نحن عليه أكثر مما ينطوي عليه هذا التنوع من حقائق كان بوسعنا أن نحيطَ بها لو أننا لم ندمن الخضوع لتمثلاتنا هذه! أفلم يكن يجدر بنا ألا ننظر إلى التنوع الحيوي من منطلق ذي صلةٍ بما يقدمه لنا من فوائد تكفل لنا أن نعيش من دون أن تلاحقنا تلك المشاكل التي ننسى أننا نحن مَن تسبب بها؟ فالتنوع الحيوي قائم قبلنا ومتحقق من دوننا، فنحن من فرضنا على الطبيعة تصوراتِنا لما ينبغي أن يكون عليه هذا التنوع حتى يستقيم أمرنا في علاقتنا بها، وننسى في خضم ذلك أن ندرس هذا التنوع بمعزل عن تواجدنا. فنحن مَن أدخل على النظام الطبيعي للتنوع الحيوي ما تكفَّل بأن يتسبب في إقلاقه وجعله يتجه شيئاً فشيئاً نحو مصير عجَّل بوشيك نهايتِه. ولذلك فلو نظرنا إلى التنوع الحيوي على ما هو عليه، أي من دون أن  نقحم فيه وجودنا البشري، لتبيَّن لنا أنه نظامٌ بإمكاننا أن نفهمه إن نحن قارناه بآلةٍ متعددة الأجزاء يؤدي كل جزء فيها دوراً يتعذر عليها أن تؤدي المهمة التي صنعت لأجلها إن أصابه ما يحول دون قيامه بوظيفته.
وهكذا كان حال التنوع الحيوي قبل أن يقتحم الإنسان الطبيعة ويفرض عليها قانونه “غير الطبيعي”! ولذلك فلا معنى هنالك على الإطلاق للحديث عن تنوعٍ حيوي بوجود الإنسان، بكل ما يمثله من خطرٍ وجودي يتهدد الآلية الحيوية التي أتقنت الطبيعةُ الانضباطَ بمقتضاها، والعمل بموجبها، وذلك من خلال تنوعها الحيوي!

اترك تعليقًا