
من أعجب المفارقات التي تستوقف المتدبِّر في أحوال الإنسان أنَّ كثيراً من الناس لا يكادون يكفُّون عن الإعلان، بألسنتهم، عن إيمانهم المطلق بالله، وتوكُّلهم عليه، وتفويضهم أمورهم إليه، حتى إذا ما داهمتهم الشدائد، وأحاطت بهم المحن، وأُغلقت في وجوههم أبواب الفرج، وجدناهم وقد استسلموا لليأس والقنوط، وأيقنوا بأنَّ ما هم فيه من شقاء وعناء وبؤس ليس له من نهاية إلا المزيد من الشقاء والعناء والبؤس! فكيف يستقيم هذا الذي تنطق به ألسنتهم مع ذاك الذي تستقر عليه نفوسهم من يقين بأنَّ الأحوال لن تتغير، وأنَّ ما استحكم من أسباب العسر لا سبيل إلى زواله، وأنَّ ما آل إليه واقعهم من ضيق وشدة إنما هو واقع لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه؟ أليس في هذا التناقض ما يستدعي منا أن نعيد النظر في حقيقة ما نعنيه حين نقول إننا متوكلون على الله، وإننا قد فوَّضنا إليه أمورنا جميعاً؟
ولعلَّ أول ما ينبغي أن نستحضره، ونحن نتدبَّر هذه المفارقة، هو أنَّ الإيمان بالله لا يقتصر على الإقرار بوجوده، ولا على الاعتراف بقدرته المطلقة، وإنما يقتضي كذلك ألا نُخضع تصوُّرنا لما يمكن أن يحدث في هذا العالم لما اعتدنا أن نشهده من انتظام الأسباب والمسببات، وكأنَّ هذا الانتظام قد أصبح قانوناً يحدُّ من قدرة الله على أن يُحدث في خلقه ما يشاء، متى شاء، وكيف شاء. فالإنسان، بحكم ما ألفه من أحوال الدنيا، وما راكمه من خبرات وتجارب، يميل إلى الاعتقاد بأنَّ المستقبل لن يكون إلا امتداداً للماضي، وأنَّ ما تعذَّر عليه تغييره بالأمس سوف يتعذَّر عليه تغييره غداً، وأنَّ ما استحكم من أسباب الشقاء لا بد أن يظل مستحكماً، مهما طال الزمان وتعاقبت الأيام.
غير أنَّ هذا الذي يراه الإنسان يقيناً لا يعدو أن يكون استنتاجاً أقامه على ما تيسَّر له إدراكه من الأسباب، وما استطاع أن يتبيَّنه من العلاقات التي تحكم تفاعلها. وهنا تحديداً تتجلَّى المفارقة؛ إذ يتحوَّل عجز الإنسان عن إدراك سبيلٍ إلى تغيير الأحوال إلى يقين منه بأنَّ تغييرها قد أصبح مستحيلاً!
ولقد عبَّر الشاعر عن حقيقة ما ينبغي ألا يغيب عن بال الإنسان، مهما اشتدت عليه المحن، بقوله:
وبين إغماضةِ عينٍ وانتباهتِها يُغيِّرُ اللهُ من حالٍ إلى حالِ
وليس أعظم ما تنطوي عليه هذه الحكمة المصاغة شعراً أنها تُذكِّر الإنسان بأنَّ الأحوال متقلِّبة، وأنَّ الدنيا لا تدوم على حال، وإنما الأعظم من ذلك أنها تستحضر قدرة الله على أن يُحدث من التغيير ما لا يخطر للإنسان على بال، وفي زمان لا يتجاوز طرفة عين! فليس الأمر، والحال هذه، مجرد تذكير بأنَّ العسر قد يعقبه يسر، وأنَّ الشدة قد تنتهي إلى فرج، وإنما هو تذكير بأنَّ الله ليس محكوماً بما يحكم الإنسانَ من عجز، ولا بما تفرضه عليه الأسباب من قيود، ولا بما يستلزمه الانتقال من حال إلى حال، في عالمنا المألوف، من تعاقب المراحل وانقضاء المُدد.
وهذا هو عين ما يشدِّد عليه القرآن العظيم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82).
فما الذي تعنيه هذه الآية الكريمة، إذا لم تكن تعني، فيما تعنيه، أنَّ إرادة الله لا تحتاج، لكي يتحقق مرادها، إلى استيفاء ما نتصوَّره نحن من شروط، ولا إلى اجتياز ما نعرفه من مراحل، ولا إلى انتظار ما تقتضيه الأسباب من أزمنة؟
إنَّ الله، وفقاً لما تقرره هذه الآية، قادر على أن يُحدث فرقاً استثنائياً لا تقوى على إحداثه الأسباب التي نعرفها، ولا القوانين التي اعتدنا أن نفسِّر بها ما يجري في هذا العالم. وليس في ذلك ما يقتضي إنكار الأسباب أو تعطيلها، وإنما فيه ما يقتضي ألا نجعل منها حدوداً لقدرة الله، أو أن نتصور أنَّ ما عجزت عنه الأسباب قد أصبح ممتنعاً عليه سبحانه.
ولنا في القرآن العظيم من الشواهد ما يجعل هذه الحقيقة حاضرة أمام أبصارنا، كلما أوشك اليأس أن يستبدَّ بنا، أو كاد القنوط أن يحجب عنا إمكان تغيُّر الأحوال. فهذا نبي الله زكريا، وقد بلغ من الكبر عتيّاً، وكانت امرأته عاقراً، لم يجعل من هذه الأسباب الطبيعية ما يحول بينه وبين التضرُّع إلى الله طالباً الولد. وحين جاءته البشرى، لم يكن جواب الله عن تعجُّبه من إمكان تحققها إلا تذكيراً بقدرته التي لا تحدُّها الأسباب: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ (مريم: 9). وهذه مريم، وقد واجهت ما لا سبيل إلى تفسيره بموجب ما ألفه الإنسان من قوانين التناسل، جاءها الجواب الإلهي حاسماً: ﴿كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 47). ولنا كذلك في نبي الله أيوب مثال آخر على أنَّ استحكام البلاء، مهما طال أمده، لا ينبغي أن يتحوَّل في نفس المؤمن إلى يقين باستحالة زواله. فلقد قصَّ علينا القرآن كيف نادى أيوب ربَّه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، ثم أعقب ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ (الأنبياء: 83-84).
فما الذي يجمع بين هذه الوقائع القرآنية، على اختلاف أحوال أصحابها وتباين ما كانوا يعانونه من شدائد؟ إنَّ ما يجمع بينها هو أنَّ الله قد أرانا، من خلالها، أنَّ ما يبدو للإنسان مستحيلاً بموجب ما يعرفه من الأسباب ليس بالضرورة مستحيلاً في ذاته، وأنَّ قدرة الله على التدخُّل المباشر في مجريات الأحداث ليست محكومة بما يحكم قدراتنا المحدودة من شروط وقيود.
غير أنَّ التدبُّر في هذه الحقيقة يقتضي منا أن نتحرَّز من الوقوع في خطأ آخر، لا يقل خطورة عن الخطأ الذي نحاول تصحيحه.
فليس معنى أنَّ الله قادر على تغيير الأحوال في طرفة عين أنَّ الإنسان مخوَّل بأن يجزم بأنَّ الله سوف يغيِّر حاله في اللحظة التي يريدها، أو بالكيفية التي يتمناها، أو أنَّ كل دعاء لا بد أن تعقبه استجابة تتطابق مع ما رسمه الداعي في مخيلته من صورة للفرج. ذلك أنَّ الإيمان بقدرة الله شيء، والادعاء بمعرفة ما سوف تقتضيه مشيئته شيء آخر مختلف تمام الاختلاف.
ولعلَّ هذا التمييز هو ما ينبغي أن يحول بيننا وبين تحويل التوكُّل إلى انتظار سلبي، أو اتخاذ الدعاء ذريعة للتنصُّل من مسؤولية الأخذ بالأسباب. فالله الذي أمرنا بالتوكُّل عليه هو ذاته الذي جعل لنا من العقل والإرادة والقدرة ما يُمكِّننا من السعي والعمل ومواجهة ما يعترض سبيلنا من عقبات.
وما ينبغي أن نتنبَّه إليه هنا هو أنَّ الأخذ بالأسباب لا يتناقض مع الإيمان بإمكان التدخُّل الإلهي المباشر، كما أنَّ الإيمان بهذا التدخُّل لا يقتضي التخلِّي عن الأسباب. فالتناقض الحقيقي إنما ينشأ حين يجعل الإنسان من عجز الأسباب التي يعرفها دليلاً على استحالة الفرج، أو حين يتوهَّم أنَّ التوكُّل يعفيه من بذل ما في وسعه لتغيير واقعه.
وهنا نعود إلى تلك المفارقة التي انطلقنا منها: لماذا يصرُّ الإنسان على الإعلان عن تفويض أمره إلى الله، ثم يتصرَّف وكأنَّ أمره قد أصبح محكوماً، بصورة نهائية، بما يراه من أسباب الشقاء والعناء؟
أليس في ذلك ما يكشف عن أنَّ الإيمان بقدرة الله قد يظل، لدى بعض الناس، مجرد إقرار نظري لا يجد سبيله إلى تصوُّرهم العملي لما يمكن أن يحدث؟
إنَّ المشكلة، والحال هذه، ليست بالضرورة في افتقار الإنسان إلى الإيمان، وإنما قد تكون في عجزه عن استحضار ما يستلزمه إيمانه حين يواجه واقعاً يبدو له عصيّاً على التغيير. فهو يؤمن بأنَّ الله على كل شيء قدير، ولكنه حين ينظر إلى واقعه لا يرى إلا ما تحكم به الأسباب، ولا يتوقَّع إلا ما تسمح له خبرته المحدودة بتوقُّعه.
وهكذا ينتهي به الأمر إلى أن يجعل من معرفته المحدودة بالعالم معياراً لما يمكن أن يحدث فيه، ناسياً أنَّ العالم الذي يراه محكوماً بالأسباب هو ذاته العالم الذي خلقه الله، وأنَّ خالق الأسباب ليس عاجزاً عن إحداث ما لا تستطيع تلك الأسباب، بمفردها، أن تُحدثه. وليس المطلوب من الإنسان، لكي يتحرَّر من هذا التناقض، أن يتجاهل ما يحيط به من وقائع، أو أن ينكر ما يعانيه من شقاء، أو أن يُقنع نفسه بأنَّ الفرج وشيك لا محالة. وإنما المطلوب منه ألا يُحوِّل ما يراه من واقع إلى حكم نهائي على ما يمكن أن يكون عليه هذا الواقع. فثمة فرق شاسع بين أن يقول الإنسان: “لا أرى سبيلاً إلى تغيير حالي”، وأن يقول: “لا سبيل إلى تغيير حالي”.
فالعبارة الأولى اعتراف بحدود المعرفة والقدرة، أما الثانية فحكم يتجاوز هاتين الحدودين، وينتهي إلى الجزم بما ليس للإنسان أن يجزم به.
ولعلَّ هذا هو أعظم ما ينبغي أن نتعلَّمه من تلك الحكمة الشعرية التي تُذكِّرنا بأنَّ الله قادر على أن يُغيِّر الأحوال بين إغماضة عين وانتباهتها؛ فهي لا تعدنا بأنَّ ما نرجوه سوف يتحقق حتماً في طرفة عين، ولكنها تُحرِّرنا من الوهم الذي يجعلنا نعتقد أنَّ ما لم نستطع تغييره اليوم لن يكون قابلاً للتغيير غداً.
وإذا كان من معنى عميق ينبغي أن نستحضره ونحن نتلو قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، فهو أنَّ قدرتنا على تصوُّر ما يمكن أن يحدث ليست مقياساً لقدرة الله على إحداثه. فكم من إنسان أغلق اليأس في وجهه أبواب الأمل، لا لأنَّ تلك الأبواب قد أُغلقت حقاً، وإنما لأنه لم يعد قادراً على تصوُّر أنها يمكن أن تُفتح! وكم من إنسان ظنَّ أنَّ ما استقرَّ عليه واقعه من شقاء قد أصبح قدراً لا تبديل له، ناسياً أنَّ الله الذي أوجد هذا العالم بما فيه من أسباب وقوانين قادر على أن يُحدث فيه، بمشيئته، ما تتضاءل أمامه حسابات البشر جميعاً! فليس أعظم ما ينبغي أن يمنحنا إياه الإيمان بقدرة الله أن نطمئن إلى أنَّ أحوالنا سوف تتغيَّر وفقاً لما نشتهي، وإنما أن نتحرَّر من اليقين بأنَّها لا يمكن أن تتغيَّر. ذلك أنَّ اليأس قد يجعل الإنسان أسيراً لما يراه، أما التوكُّل الحق فيُبقيه واعياً بأنَّ ما يراه ليس كلَّ ما يمكن أن يكون. وبين ما نراه مستحيلاً، وما يستطيع الله أن يُحدثه بمشيئته، تقوم تلك المسافة التي لا يملك الإنسان أن يحيط بها علماً، والتي يكفي لاستحضارها أن نتذكَّر، مرة أخرى، أنَّ الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
