لماذا يجنح العقل البشري إلى التبسيط المُخِلِّ جنوحَه إلى التعميم المُضِلِّ؟

ما الذي يجعل العقل البشري يجنح إلى التبسيط المُخِلِّ جنوحَه إلى التعميم المُضِلِّ؟ ولماذا لا يكاد الإنسان يتبين ما ينطوي عليه هذا الجنوح من أخطاء معرفية، حتى حين يكون بمقدوره أن يتثبت من أن ما انتهى إليه من أحكام لم يكن ثمرة استقصاء شامل للظاهرة التي انشغل بتدبرها، وإنما حصيلة اكتفائه ببعض ما تيسر له الإحاطة به من مفرداتها؟ وهل يعود ذلك إلى عجز متأصل في العقل البشري عن الإحاطة بالتعقيد الذي تتصف به ظواهر الوجود، أم إلى ميل هذا العقل إلى الاقتصاد في الجهد المعرفي، حتى وإن كان ثمن ذلك أن يخلص إلى أحكام لا تعكس حقيقة ما يزعم أنه قد أحاط به علماً؟
إن التبسيط، من حيث هو آلية معرفية، ليس خللاً في ذاته؛ إذ ما كان للعقل أن يتعامل مع تعقيد العالم لو لم يكن قادراً على اختزال بعض تفاصيله، واستخلاص ما يجمع بين ظواهره من خصائص مشتركة. غير أن المشكلة تبدأ حين يغفل العقل عن أن ما انتهى إليه بالتبسيط ليس بالضرورة تمثيلاً أميناً للظاهرة في كليتها، وحين يتعامل مع ما استخلصه من قواسم مشتركة وكأنه قد استنفد بذلك جميع ما تتصف به الظواهر التي أخضعها للمقارنة. وهنا تحديداً يتعذر الفصل بين التبسيط المُخِلِّ والتعميم المُضِلِّ؛ إذ يغدو الأول مقدمة معرفية للثاني، ويغدو الثاني حكماً يُضفي على نتائج الأول من اليقين ما لا تستحقه.
ولنا في بعض ما انتهى إليه الباحثون في مجال الدراسات المعنية بما يُسمى «علم الدين المقارن» مثال كاشف على هذه الجنحة المعرفية. فقد درج بعض الباحثين على المقارنة بين «الوصايا العشر» الواردة في العهد القديم، وما جاء في الآيتين 151 و152 من سورة الأنعام، باعتبار أن هذه الآيات القرآنية تقدم ما يمكن النظر إليه بوصفه نظيراً تشريعياً وأخلاقياً لتلك الوصايا. ولقد استندت هذه المقارنة إلى ما يجمع بين النصين من النهي عن الشرك والقتل وبعض صور الاعتداء والفساد الأخلاقي، فضلاً عن الأمر بالإحسان إلى الوالدين وإقامة العدل في التعامل مع الآخرين.
ولا سبيل إلى إنكار وجود هذه المشتركات، أو التقليل من قدرتها على الكشف عن أوجه التقارب بين النصوص الدينية. غير أن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن الباحث هو: هل يكفي العثور على هذه المشتركات حتى نخلص إلى أن الآيات القرآنية المشار إليها تمثل المقابل القرآني للوصايا العشر؟ أم أن مثل هذا الحكم ينطوي على اختزال للمشروع التعبدي القرآني في مجموعة محدودة من الأحكام، لمجرد أنها تتشابه مع أحكام وردت في نص ديني آخر؟
ولعل مما يكشف عن قصور هذا المنهج أن الآيات التي اعتاد بعض الباحثين الاستشهاد بها لا تنتهي عند الآية 152 من سورة الأنعام، بل تتواصل في الآية 153 التي جاء فيها قوله تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. فهذه الآية الكريمة لا تضيف مجرد حكم آخر إلى الأحكام السابقة، وإنما تصلها بمفهوم أشمل هو اتباع الصراط المستقيم، الأمر الذي يستدعي النظر إلى تلك الأحكام بوصفها جزءاً من منظومة تعبدية لا يستقيم اختزالها في ما اشتملت عليه من نواهٍ وأوامر محددة.
والأمر ذاته ينسحب على المقارنات التي يسعى أصحابها إلى العثور في القرآن الكريم على ما يمكن أن يقابل «موعظة الجبل» الواردة في إنجيل متى. فليس من المتعذر العثور على آيات قرآنية تتقاطع مع ما جاء في هذه الموعظة من دعوة إلى الرحمة والعفو والإحسان والإخلاص في العبادة، والنهي عن الرياء والظلم. ولكن العثور على هذه المشتركات شيء، والقول بأن مجموعة بعينها من الآيات القرآنية تمثل النظير البنيوي والتعبدي لتلك الموعظة شيء آخر تماماً.
ذلك أن ما يبدو أن بعض هذه المقاربات قد أغفلته هو أن القرآن الكريم لا يعرض مشروعه التعبدي في سورة واحدة، ولا يحصر ما يطالب به الإنسان في مجموعة من الآيات يمكن اقتطاعها من سياقها الكلي، ثم التعامل معها بوصفها خلاصة ما جاء به من تكاليف وأوامر ونواهٍ. فالقرآن، على خلاف الصورة التي قد توحي بها المقارنة بين مقاطع نصية محددة، يقدم مشروعاً تعبدياً تتوزع عناصره على امتداد سوره وآياته، وتتداخل فيه الأوامر الأخلاقية مع التكاليف التعبدية، والتوجيهات المعرفية مع المطالب السلوكية، والأحكام المتعلقة بعلاقة الإنسان بغيره مع ما يتوجب عليه أن يلتزمه في علاقته بربه وبنفسه وبالعالم الذي يعيش فيه.
وليس من الدقة، بطبيعة الحال، الزعم بأن العهدين القديم والجديد قد حصرا تعاليمهما في الوصايا العشر وموعظة الجبل؛ فكلاهما يشتمل على نصوص وتشريعات وتوجيهات تتجاوز هذين الموضعين بكثير. غير أن موطن الإشكال هنا لا يتعلق بما إذا كانت هذه النصوص الدينية الأخرى تتضمن منظومات تعبدية أوسع، وإنما يتعلق بمدى مشروعية اتخاذ مقاطع بعينها منها قوالبَ معيارية نبحث في القرآن عما يطابقها، ثم نتصور أننا قد أحطنا بذلك بما يتفق وما يختلف بين المشاريع التعبدية التي تنتمي إليها.
فالقرآن لا يكتفي بأن يبين للإنسان ما يتوجب عليه اجتنابه من المحرمات، وإنما يطالبه كذلك بأن يتدبر، ويتفكر، ويتعقل، ويتثبت، ويعدل، ويحسن، ويصبر، ويقيم القسط، ويؤدي الأمانات، ويجتنب الظن الذي لا يقوم على بينة. وهذه جميعاً ليست مجرد فضائل أخلاقية يمكن فصلها عن المشروع التعبدي القرآني، وإنما هي من صميم ما يطالب به القرآن الإنسان حتى يكون إيمانه ذا أثر في قوله وعمله وحكمه على الأشياء.
بل إن من أبرز ما يميز هذا المشروع أن أوامره لا تقتصر على ما جاء بصيغة الأمر المباشر، ولا نواهيه على ما ورد بصيغة التحريم الصريح؛ إذ إن في القصص القرآني، وفي الأمثال المضروبة، وفي الأسئلة الاستنكارية، وفي عرض مصائر الأمم والأفراد، ما يستدعي من المتدبر أن يستخلص مقتضيات تعبدية ومعرفية وسلوكية لا يصح إغفالها لمجرد أنها لم تُصَغ في هيئة قائمة محددة من الأوامر والنواهي. غير أن هذا الاستخلاص يظل مطالباً بأن يستند إلى دلالة النص وسياقه، حتى لا يتحول التدبر نفسه إلى وسيلة لإقحام ما ليس في القرآن عليه.
ومن هنا فإن ما ينبغي أن يشغل الباحث في علم الدين المقارن ليس مجرد السؤال عما إذا كان بالإمكان العثور في القرآن على نظير لهذه الوصية أو تلك الموعظة، وإنما السؤال الأسبق والأعمق: هل تتطابق البنى التعبدية للنصوص التي نقارن بينها، حتى يكون من المشروع إخضاعها لمعيار واحد في تحديد ما تتفق عليه وما تختلف بشأنه؟ وهل التشابه بين بعض الأحكام يكفي للحكم بالتشابه بين المنظومات التي تنتظم تلك الأحكام في إطارها؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين تقتضي منا أن نميز بين المقارنة النصية الجزئية والمقارنة البنيوية الكلية. فالأولى تبحث عن المشتركات والاختلافات بين نصوص محددة، وهي ممارسة معرفية مشروعة ما دامت نتائجها لا تتجاوز حدود مادتها. أما الثانية فتسعى إلى استجلاء طبيعة المشروع الديني الذي تنتمي إليه تلك النصوص، وما يحكم العلاقة بين أجزائه من مبادئ ومقاصد وتكاليف. والخطأ لا يكمن في ممارسة المقارنة الأولى، وإنما في الانتقال من نتائجها إلى أحكام تخص الثانية من دون استقصاء يبرر هذا الانتقال.
وهنا نعود إلى السؤال الذي انطلقنا منه: لماذا يجنح العقل البشري إلى التبسيط المُخِلِّ جنوحَه إلى التعميم المُضِلِّ؟
لعل جانباً من الإجابة يكمن في أن العقل لا يكتفي باستخدام ما ألفه من تصنيفات وقوالب معرفية لتنظيم ما يعرض له من ظواهر، وإنما يميل أحياناً إلى إخضاع الظواهر الجديدة لهذه القوالب، حتى حين تكون طبيعتها مما يقتضي مراجعة القالب نفسه. وبدلاً من أن يسمح للموضوع الذي يدرسه بأن يكشف له عن بنيته الخاصة، يعمد إلى إعادة تشكيله بما يجعله قابلاً للاندراج في نظامه المعرفي السابق.
وليس ثمة ما يجعل الباحث في الدراسات الدينية بمنأى عن هذا الميل، كما ليس ثمة ما يجعل الباحث في سائر العلوم والمعارف محصناً ضده. فالمشكلة لا تكمن في طبيعة الموضوع المدروس، وإنما في الكيفية التي يتعامل بها العقل مع ما يتصوره أنه قد عرفه وأحاط به. وكلما ازداد اطمئنان الإنسان إلى كفاية أدواته المعرفية، ازدادت احتمالات أن يغفل عن الحدود التي لا يجوز لنتائجه أن تتجاوزها.
ولذلك فإن الارتقاء بالمعرفة لا يقتضي من الإنسان أن يتخلى عن التبسيط أو التعميم، فذلك مما لا يستقيم معه عمل العقل أصلاً، وإنما يقتضي أن يدرك متى يكون التبسيط أداة للكشف، ومتى يتحول إلى وسيلة للحجب، ومتى يكون التعميم استنتاجاً تبرره المعطيات، ومتى يغدو حكماً يفرضه العقل على الواقع من دون أن يكون الواقع قد أذن له به.
فليست المشكلة أن العقل البشري يعجز أحياناً عن الإحاطة بالكل، وإنما أنه كثيراً ما يتوهم أن الجزء الذي أحاط به قد أغناه عن الكل الذي لم يُحِط به. وتلك واحدة من أشد مفارقات المعرفة البشرية استعصاءً على التجاوز؛ إذ لا يكتفي العقل فيها بأن يجهل ما لم يعرفه، بل قد ينتهي به الأمر إلى أن يتخذ من معرفته الجزئية حجة على أنه لم يترك شيئاً يستحق المعرفة.

اترك تعليقًا