حين يتلاشى الفرق بين «المعقول واللامعقول» … فيثاغورس ونيوتن مثالاً

من أعجب مفارقات العقل البشري تلك التي تتجلى في عجزه عن أن يرسم حدوداً فاصلة، واضحة ونهائية، بين ما يرتضيه معقولاً وما يجزم بأنه غير معقول! وهي مفارقة نخطئ إن نحن توهمنا أنها كانت من خصائص العقل البشري في ماضيه السحيق، وأن تقدُّم العلوم وتراكم المعارف كفيلان بأن يجعلاها تتلاشى من نظامه المعرفي. فما أكثر ما يكشف لنا تاريخ العلم عن عقول بلغت من النبوغ مبلغاً مكّنها من إحداث انعطافات كبرى في مسيرة المعرفة الإنسانية، من دون أن يحول ذلك بينها وبين الانشغال الجاد بما لا يجد العلم المعاصر سبيلاً إلى التثبت منه أو إقامة البرهان عليه! ولعل فيثاغورس وإسحاق نيوتن من أبرز الأمثلة التاريخية على هذه المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلاً، لا لنتعجب من اجتماع النبوغ العلمي والاعتقاد الميتافيزيقي في عقل واحد فحسب، وإنما لنتساءل، من باب أولى، عن طبيعة الآليات المعرفية التي تجعل هذا الاجتماع ممكناً.
ففيثاغورس، الذي ارتبط اسمه بواحدة من أشهر المبرهنات الرياضية، والذي كان له وللمدرسة المنسوبة إليه أثر بالغ في تاريخ التفكير الرياضي، لم يكن اشتغاله بالأعداد مقتصراً على ما يمكن البرهنة عليه من علاقات رياضية. فلقد اقترن التراث الفيثاغوري أيضاً بالاعتقاد بتناسخ الأرواح، وبإضفاء دلالات كونية وروحية على الأعداد، حتى غدت الرياضيات، في هذا التصور، أكثر من أداة لفهم العلاقات الكمية؛ إذ غدت مفتاحاً يُظن أنه يكشف عن أسرار الوجود. وعلى الرغم من صعوبة الفصل تاريخياً بين ما قال به فيثاغورس نفسه وما أضافته إليه مدرسته من بعده، فإن هذا التراث يضعنا أمام سؤال لا يسهل تجاوزه: كيف أمكن للعقل الذي أدرك ما للبرهان الرياضي من سلطان أن يرتضي، في الوقت ذاته، تصورات لا تخضع لمقتضيات ذلك البرهان؟ وهل كان فيثاغورس يرى في هذه التصورات ما نراه نحن اليوم ضرباً من اللامعقول، أم أن مفهوم المعقول ذاته كان عنده أوسع نطاقاً مما نرتضيه له في عصرنا؟
وليس إسحاق نيوتن بأقل إثارة لهذه المفارقة. فهذا العقل الذي أحدثت اكتشافاته في الميكانيكا والجاذبية والبصريات تحولاً جذرياً في فهم الإنسان للعالم الفيزيائي، والذي قامت على منجزاته أسس راسخة من الفيزياء الكلاسيكية، كان هو ذاته شديد الانشغال بالخيمياء والتأويلات اللاهوتية والبحث في أسرار النصوص الدينية وتاريخ العالم القديم. ولم تكن هذه الاهتمامات مجرد نزوات عابرة في حياة نيوتن، بل شغلت حيزاً واسعاً من جهده الفكري. وهنا تتجلى المفارقة بأوضح صورها: كيف استطاع العقل الذي بلغ من الدقة الرياضية والقدرة على إخضاع الظواهر الطبيعية لقوانين قابلة للاختبار ما بلغه نيوتن، أن يجد في مباحث أخرى ما يستحق منه هذا القدر من الجهد والانشغال، على الرغم من افتقار كثير من فرضياتها إلى ما يقتضيه البرهان العلمي الحديث؟
غير أن ما ينبغي أن يستوقفنا هنا ليس مجرد هذا التباين بين اهتمامات فيثاغورس ونيوتن، وإنما ما يكشف عنه من خلل محتمل في الطريقة التي اعتدنا أن نصنّف بها النتاج المعرفي للإنسان. فنحن نميل إلى الاعتقاد بأن العقل الذي أبدع نظرية علمية صحيحة لا بد أن يكون قد اكتسب، بفضل نبوغه، قدرة استثنائية على التمييز بين ما يصح الاعتقاد به وما لا يصح. ولكن ما الذي يجيز لنا هذا الاستنتاج؟ وهل يلزم من قدرة العقل على البرهنة في مبحث معرفي بعينه أن يكون قادراً على ممارسة القدرة ذاتها في سائر المباحث؟ أم أن العقل البشري قادر على أن يكون بالغ الصرامة في حقل معرفي، وشديد التساهل في حقل آخر، من دون أن يستشعر في ذلك أدنى تناقض؟
وقد يظن البعض أن هذا التناقض المعرفي إنما كان نتيجة طبيعية لمرحلة تاريخية لم تكن العلوم فيها قد استقلت بمناهجها عن الفلسفة واللاهوت والمعتقدات الموروثة. غير أن هذا التعليل، على ما ينطوي عليه من وجاهة تاريخية، لا يكفي وحده لتفسير استمرار الظاهرة في عصرنا الحاضر. فما زال بالإمكان أن نجد بين المشتغلين بالعلوم من يجمعون بين التزام صارم بالمنهج التجريبي في اختصاصاتهم، وبين اعتقادات شخصية لا تقوم على أدلة من النوع الذي يطالبون به في أعمالهم العلمية. ولا يعني هذا أن جميع تلك الاعتقادات باطلة، أو أن أصحابها عاجزون عن التفكير العقلاني، وإنما يعني أن النبوغ العلمي لا يضمن، بذاته، اتساق المعايير التي يحتكم إليها الإنسان في جميع أحكامه واعتقاداته.
وهنا يبرز السؤال الذي هو محور هذه المقالة: هل يكمن الخلل في عجز العقل البشري عن التمييز بين المعقول واللامعقول، أم في عجزه عن إدراك أن ما يراه معقولاً إنما يتحدد، إلى حد بعيد، بما سبق أن استقر في نظامه المعرفي من تمثلات وافتراضات ومسلّمات؟ فإذا كان العقل لا يقارب العالم إلا من خلال ما يتمثله عنه، فكيف لنا أن نضمن ألا تتحول هذه التمثلات ذاتها إلى سلطة معرفية تجعل ما يوافقها معقولاً، وما يخالفها غير معقول، حتى قبل أن نُخضع أياً منهما للفحص والاختبار؟
إننا بذلك لا نعود أمام مفارقة تاريخية تخص فيثاغورس ونيوتن، بل أمام إشكالية إبستمولوجية تتعلق بطبيعة العقل البشري ذاته. فليس كل ما يعجز العلم عن البرهنة عليه باطلاً بالضرورة، كما أن عجز العلم عن دحض اعتقاد ما لا يمنح ذلك الاعتقاد صفة الحقيقة. وما بين هذين الحدين تتسع مساحة من الاحتمالات التي كثيراً ما يعجز الإنسان عن التعامل معها من دون أن يستعين بما ألفه من أحكام مسبقة. ولعل أخطر ما في هذه الإشكالية أن الإنسان قد يتوهم أنه يحتكم إلى العقل حين يكون، في حقيقة الأمر، محتَكِماً إلى تمثلاته الخاصة عن العقل والمعقولية.
ولذلك فإن الدرس الأهم الذي تقدمه لنا سيرة هذين العقلين النابغين لا يتمثل في التشكيك في قيمة إنجازاتهما العلمية، ولا في إضفاء المشروعية العلمية على كل ما اعتقدا به خارج نطاق تلك الإنجازات، ولكن يتمثل في ضرورة مراجعة افتراض طالما استقر في أذهاننا، وهو أن ارتقاء العقل في قدرته على تفسير العالم يستلزم، بالضرورة، ارتقاءً مماثلاً في قدرته على التمييز بين درجات اليقين والاحتمال والوهم. فقد يكون العقل قادراً على اكتشاف قانون يحكم حركة الأجرام السماوية، ثم يعجز عن إدراك أن اعتقاده في مسألة أخرى لا يستند إلى ما يماثل ذلك القانون من أدلة وبراهين.
وهكذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه علينا ليس لماذا آمن فيثاغورس ونيوتن بما نراه اليوم غير علمي، بل لماذا نصرّ نحن على افتراض أن العقل البشري لابد أن يكون متسقاً مع نفسه في كل ما يصدر عنه من أحكام؟ ولماذا نتوهم أن التقدم العلمي قد حررنا من المفارقة ذاتها التي نراها متجسدة في سيرتهما؟ فلعل ما نعدّه اليوم من المسلّمات العقلية لا يخلو هو الآخر من افتراضات لم نتثبت منها بما يكفي، ولعل بعض ما نجزم بأنه غير معقول لا يعدو أن يكون مما لم ننجح بعد في فهمه أو التحقق منه.
وليس في هذا ما يقتضي التسوية بين المعرفة المبرهنة والاعتقاد المجرد من الدليل، بل ما يقتضي، على العكس، مزيداً من الصرامة في التمييز بينهما. فالمشكلة ليست في أن العقل البشري يجهل دائماً أين تنتهي حدود المعقول، وإنما في أنه كثيراً ما يتوهم أنه يعرف هذه الحدود معرفة نهائية. ولعل أعظم ما يمكن أن يبلغه العقل من ارتقاء ليس أن يزعم لنفسه القدرة على الفصل الحاسم بين المعقول واللامعقول في كل شأن، بل أن يعرف متى يكون حكمه مؤسساً على البرهان، ومتى لا يكون أكثر من احتمال، ومتى يكون مجرد اعتقاد لم يتبين بعد ما يسوّغ الأخذ به.

اترك تعليقًا